قصة حيدر المصدر
حيدر المصدر .. صحفي وباحث يواجه التضليل ويدفع حياته ثمناً
في خيمة صغيرة داخل ساحة مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، استهدف صاروخ أطلقته طائرة مسيّرة إسرائيلية الصحفي والباحث الإعلامي حيدر إبراهيم المصدر، بينما كان يواصل أداء دوره في مواجهة الدعاية والتضليل خلال حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.
حيدر المصدر كرّس جانباً كبيراً من عمله لدراسة الدعاية الإسرائيلية وأساليبها النفسية والرقمية، وسعى إلى تطوير أدوات تساعد الصحفيين والجمهور على التعامل النقدي معها.
مسار مهني قائم على تفكيك الدعاية
امتد المسار المهني لحيدر المصدر على مدار 26 عاماً في العمل الصحفي والبحثي، جمع خلالها بين الممارسة الإعلامية والإنتاج الأكاديمي.
حصل على درجة ماجستير في الصحافة والإعلام، وأخرى في السياسة الخارجية الأمريكية. وعمل في وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا"، قبل أن يتخصص تدريجياً في دراسة الدعاية الإسرائيلية وأساليبها النفسية والرقمية.
أصدر كتاباً متخصصاً حول الدعاية على الشبكات الاجتماعية عام 2020، ونشر أبحاثاً علمية في منصات ومراكز بحثية، من بينها دراسات تناولت “الدعاية السيبرانية الإسرائيلية” و”تنظيم صحافة المواطن الفلسطينية”. كما عمل محاضراً ومدرباً، وساهم في تأهيل صحفيين للتعامل النقدي مع الإعلام العبري.
ركز المصدر على بناء مفهوم “الوعي الفردي” كخط دفاع أول، محذراً من إعادة توظيف المحتوى الفلسطيني ضمن ماكينة الدعاية الإسرائيلية.
هذا الطرح تجسّد من خلال تحليلاته لمسيرات العودة عام 2018، حين كشف مبكراً آليات استغلال بيانات النشطاء وتحويلها إلى أدوات دعائية مضادة.
تهديدات مباشرة واستهداف ممنهج
تعرض المصدر لسلسلة من التهديدات المباشرة عبر رسائل نصية من جهات إسرائيلية، شملت تهديدات بالقتل طالت زوجته وأطفاله.
ولم تتوقف الضغوط عند حدود التهديد، بل امتدت إلى ملاحقته عبر محيطه العائلي في حال تعذر الوصول إليه.
خلال الحرب، اضطر للنزوح سبع مرات، وابتعد عن عائلته لفترات طويلة وصلت إلى ثلاثة أشهر بسبب المخاطر الأمنية. رغم ذلك، واصل نشاطه عبر منصات التواصل الاجتماعي، مركزاً على توعية الجمهور بمخاطر التضليل الإعلامي خلال العمليات العسكرية.
لحظة الاستهداف داخل المستشفى
في 22 يوليو 2024، قرابة الساعة 11:20 صباحاً، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمة للصحفيين داخل ساحة مستشفى شهداء الأقصى، ما أدى إلى مقتل حيدر المصدر على الفور.
تشير المعطيات إلى أن الاستهداف كان مباشراً، وجاء في سياق أوسع من استهداف الصحفيين والبنية الإعلامية في قطاع غزة.
تأكيدات لاحقة من مصادر إسرائيلية ادعت أن المصدر كان يُنظر إليه كـ”مستشار استراتيجي” يقدّم إرشادات للصحفيين، خاصة فيما يتعلق بتجاهل الرواية الإسرائيلية، ما يعزز فرضية الاستهداف بسبب نشاطه المهني.
العائلة بين الفقد والذاكرة
ترك المصدر خلفه زوجة وطفلين. تصفه زوجته بأنه كان السند الأساسي للأسرة، حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية رغم المخاطر. تشير إلى أن طفله الصغير لا يزال يسأل عنه باستمرار، فيما يعتبره ابنه الأكبر قدوة ويسعى للسير على خطاه في العمل الصحفي.
توفي والدا المصدر خلال الحرب أثناء وجودهما خارج غزة، متأثرين بالحزن عليه، في دلالة على الأثر الإنساني الممتد لفقدان الصحفيين في النزاعات المسلحة.
وكتب الباحث أحمد الكومي عن حيدر: يودع الإعلام الفلسطيني اليوم واحداً من أهم النخب الإعلامية والإضافات المتخصصة في مجال الدعاية السياسية والنفسية، الباحث المميز والمجتهد "حيدر المصدر" المشهود له بعمق كتاباته ورجاحة رأيه واختصاصاته في دعاية العدو وأساليبها.
إرث معرفي يتجاوز الجغرافيا
لم يكتفِ المصدر بالإنتاج العلني، بل اختار نشر بعض أعماله بأسماء مستعارة، مدفوعاً باعتبارات أمنية ورغبة في تحويل المعرفة إلى منفعة عامة. كان يخطط لاستكمال الدكتوراه في مجال الدعاية، ويؤمن بأن الكلمة الدقيقة يمكن أن تصنع أثراً طويل المدى.
يمثل غياب حيدر المصدر خسارة نوعية للمشهد الإعلامي الفلسطيني، خاصة في مجال نادر يتقاطع فيه التحليل السياسي مع علم النفس الإعلامي ويترك وراءه إرثاً بحثياً قابلاً للبناء عليه.