قصة محمد الشريف
محمد الشريف .. صحفي بقي في بيته حتى النهاية
في شمال غزة، حيث كانت أصوات الطائرات الإسرائيلية المسيّرة أقرب من أي شيء آخر، اختار محمد الشريف أن يبقى. لم يحمل الكاميرا في الشارع، بل حوّل منزله إلى غرفة تحرير، محاولاً أن يبقي صوته حاضراً وسط الانقطاع، إلى أن خرج ذات صباح ليتفقد بيته، فعاد اسماً في قائمة الشهداء، تاركاً وراءه قصة صحفي لم يغادر مكانه حتى اللحظة الأخيرة.
صحافة من قلب المخيم
ولد محمد صالح محمود الشريف عام 1993، ونشأ في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث تشكّلت علاقته الأولى بالواقع الذي سيكتب عنه لاحقاً. درس الصحافة والإعلام، وبدأ مسيرته المهنية مبكراً، ليؤسس لاحقاً موقع "الحنون" الإعلامي، ويعمل رئيساً لتحرير شبكة محلية، إلى جانب نشاطه كمراسل ميداني حر.
خلال تسع سنوات من العمل، ركّز على تغطية التفاصيل اليومية لحياة الناس، خاصة في المناطق المهمشة، معتمداً على أدوات بسيطة، لكن برؤية واضحة تنحاز للإنسان.
البيت كغرفة تحرير
مع تصاعد الحرب، رفض محمد النزوح جنوباً رغم أوامر الإخلاء، وفضّل البقاء في شمال غزة مع عائلته. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان مرتبطاً بقناعته المهنية والشخصية.
تقول زوجته إنها حاولت إقناعه بالتوقف عن العمل، خوفاً عليه وعلى أطفاله الثلاثة، لكنه اختار الاستمرار، محولاً منزله إلى غرفة تحرير، يكتب الأخبار وينشرها، في محاولة للإبقاء على الحد الأدنى من التغطية الإعلامية في منطقة تتعرض لعزل متزايد.
التزام يتجاوز الخطر
لم يكن عمل محمد مجرد متابعة للأحداث، بل توثيقاً يومياً لمعاناة المدنيين تحت القصف. تقاريره، التي نشرها عبر منصاته، كانت تنقل صورة الحياة في المخيم، بما تحمله من خوف وفقد ونقص في كل شيء.
ورغم المخاطر، لم يسجل أنه تلقى تهديدات مباشرة، لكن طبيعة المكان الذي يعمل فيه كانت كافية لتجعل كل يوم احتمالاً مفتوحاً للموت.
لحظة القتل
في صباح 16 نوفمبر 2024، خرج محمد برفقة ابن عمه لتفقد منزله في حي تل الزعتر بمخيم جباليا. في الطريق، استهدفتهما طائرة مسيّرة بإطلاق نار مباشر، وأصيب محمد بعيار ناري في البطن، وحاول الاحتماء داخل أحد المنازل المدمرة، لكنه بقي ينزف لساعات قبل أن يفارق الحياة.
لم يكن يرتدي زياً صحفياً، ولم يكن في مهمة تغطية مباشرة، لكن مقتله جاء في سياق استهداف منطقة مدنية، ضمن بيئة لا تميز بين صحفي ومدني.
خسارة تتضاعف
لم تكن هذه الخسارة الأولى للعائلة. قبل أشهر من استشهاده، فقدت الأسرة ابناً آخر، شقيقه أحمد، ما جعل محمد وأخاه الراحل هما السند الوحيد لوالديهما. برحيله، ترك الوالدان أمام فقد مضاعف، بينما بقيت زوجته مع ثلاثة أطفال، أكبرهم في الخامسة، يواجهون حياةً تغيرت بالكامل في لحظة واحدة.
ملامح إنسانية
في شهادات عائلته، يظهر محمد بعيداً عن صورة الصحفي فقط. تصفه زوجته بأنه إنسان محب، قريب من الجميع، يزرع الفرح حتى في أصعب الظروف. وتصف حياتها معه بأنها كانت “أجمل أيام العمر”. تقول إنه أحبها بصدق، وكان هو من اختارها شريكة لحياته، إذ تعارفا في نقابة الصحفيين حين كانت تعمل مدققة لغوية في ذلك الوقت.
تستعيد ملامح شخصيته فتراه إنساناً محباً للخير، لا ينقطع عن الصدقة، بارّاً بوالديه، وحنوناً عليها وعلى أطفالهما، كما كان سنداً رقيقاً لأخواته البنات. كان قريباً من الجميع، محبوباً بينهم، لا تفارقه الابتسامة، ويحب المزاح ويزرع الفرح بمن حوله.
وتختم بقولها إن كل الكلمات تعجز عن أن تفيه حقه أو تصف ما كان عليه من طيبة قلب وصدق مشاعر.
أما والده، فيراه صديقاً قبل أن يكون ابناً، يقول والده إن محمد لم يكن مجرد ابن، بل كان صديقاً حقيقياً له؛ يشعر به قبل أن يتحدث، ويشاركه تفاصيل حياته وكأنه جزء منه. كان يرافقه في مشاويره، ويقف إلى جانبه في أصعب اللحظات، خاصة خلال وعكاته الصحية، حيث كان يبيت إلى جواره في المستشفى، لا يتركه وحيداً.
ويضيف أنه كان محباً للخير بطبعه، معطاءً إلى حد كبير، لا يتردد في مساعدة من حوله، حاملاً قلباً مليئاً بالإنسانية والوفاء.
ويتابع والده حديثه قائلاً: عندما كانت زوجته حاملاً بتوأم، أخبرني بثقة أنها ستنجب ولداً، وأنه سيُسميه “صالح”، وقال لي إنني أنا من سأقوم بتربيته. كانت كلماته حينها تترك في القلب شيئاً غامضاً، وكأنه كان يشعر في داخله بأنه سيفارق الحياة ويتركنا، رغم أنه لم يُفصح عن ذلك بشكل مباشر.
وقالت والدته، المواطنة ابتسام الكرد، وهي تحاول أن تخفي دموعها: “محمد كان فاكهة البيت وبسمته وروحه، الله يرضى عليه ويرحمه… وما يصبّرني أنه في مكان أحسن من هذا المكان.”
أثر لا يغيب
رغم رحيله، تبقى صورة محمد حاضرة في ذاكرة من عرفوه، ليس فقط كصحفي، بل كإنسان حاول أن يوازن بين دوره المهني وحياته العائلية في ظروف مستحيلة. في لحظات الخوف، كان يختار أن يبتسم، وفي لحظات الخطر، كان يختار أن يكتب. وبين الخيارين، ترك قصة تختصر معنى أن تكون صحفياً في مكان لا يمنحك فرصة للنجاة، لكنه لا يمنعك من المحاولة.