قصة محمد وشاح
محمد وشاح .. صحفي تحدى التهديدات بالعمل حتى الشهادة
بعد رحلة عمل امتدت عشرين عاماً حافلة بالإنجازات والتحديات، رحل الصحفي محمد وشاح إثر استهداف إسرائيلي، تاركاً وراءه حكاية تختصر جانباً من المخاطر التي يواجهها الصحفي الفلسطيني في سبيل نقل الحقيقة.
كان محمد سمير محمد وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر، في طريقه للترتيب لتغطية صحفية في مخيم نزوح لا يبعد كثيراً، حين أطلقت طائرة مسيّرة إسرائيلية صاروخها مباشرةً نحو مركبته. لم يتمكن من إتمام مهمته الاخيرة، لكنه أنهى رسالته بكاملها، وكان الصحفي رقم 262 في قائمة الصحفيين الذين اغتالتهم إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023.
من مخيم البريج إلى شاشات العالم
ولد محمد عام 1986 في مخيم البريج وسط قطاع غزة، ذلك المخيم الذي لا يعرف سكانه الاستقرار، ونشأ في بيئة طبعت وعيه المبكر بقضايا الناس وحكاياتهم.
درس في البداية التحاليل الطبية في جامعة الأقصى، ثم التحق بقسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية، كأن روحه كانت تبحث عن مخرج أكثر صدقاً مع ما يجيش في داخله.
لم يحمل يوماً حقيبة مختبر، بل حمل كاميرا، وبها شقّ طريقه منذ عام 2005 وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.
بدأ في قناة الأقصى المرئية، ثم انتقل عبر مراحل متعاقبة بين إذاعة القرآن الكريم وإذاعة الأسرى وفضائية الأقصى، قبل أن يعمل رسمياً لحساب قناة TRT التركية بين 2011 و2014، ويغطي عدوان 2014 لصالح قنوات عدة منها العربية الحدث والزيتونة والجزيرة. وفي عام 2014 استقر قراره نهائياً على الجزيرة مباشر، التي رافقها حتى اللحظة الأخيرة.
أثناء تغطية أحداث الإبادة، فرضت طبيعة عمله عليه الإقامة في خيام برفقة صحفيين آخرين، في ظل ضغط عمل مكثف وساعات عمل طويلة.
لم تكن رحلته مقتصرة على الميدان المحلي، ففي عام 2011 سافر إلى مصر حيث التحق بمعهد السينما المصري ودرس الإخراج والمونتاج وصناعة الأفلام والتصوير الفوتوغرافي، في مسعى حثيث لصقل أدواته وتطوير رؤيته.
ومن ثمار تلك المرحلة فيلمه الوثائقي "الحدود" الذي أنتجه عام 2014، وكانت من أوائل الأعمال التي وثّقت معاناة الناس على حدود غزة بعيداً عن البيانات الرسمية وقريباً جداً من الناس.
جذور وأفلام وثائقية
ارتبط محمد بمشروعه الوثائقي منذ وقت مبكر، وكان التوثيق بالنسبة له ليس مجرد حرفة بل منهجاً في رؤية الحياة.
في وكالة شهاب عام 2009، أنتج سلسلة "جذور" الوثائقية، تلك الأعمال التي اقتربت من ذاكرة الناس وجروحهم القديمة وتشكّلت منها صورة حية عن هوية لا تقبل الانمحاء.
لم يكن يبحث عن إثارة أو انتشار، بل عن الحقيقة التي تحتاج وقتاً وصبراً وحضوراً حقيقياً بين الناس، وكان هذا ما يميّزه عن كثيرين.
يصفه زميل له، مراسل في التلفزيون الصيني، بأنه كان شخصاً رزيناً وهادئاً بطبعه، يمتلك حكمة عالية في التعامل مع المواقف الصعبة، وكان يستعان به لتهدئة الأجواء حين تتوتر بين الطاقم الصحفي في الميدان، كأن وجوده كان بحد ذاته ضمانة للاتزان.
ترك خلفه أربعة أطفال
خلّف محمد وراءه زوجته إسراء أشرف أبو شمالة، وأربعة أطفال: ريماس (16 عاماً)، وسمير (15 عاماً)، وسمية (13 عاماً)، وعبد الرحمن (9 سنوات). هم أركان أسرته التي عاشت تحت وطأة الخوف المزدوج: خوف من القصف، وخوف من الاستهداف بسبب مهنة الأب.
تقول زوجته إنهم نزحوا نحو 38 مرة، وكان بعض الأقارب يرفضون استقبالهم خشية الاستهداف في ضوء ما جرى لعائلة الصحفي وائل الدحدوح، الذي استهدفت إسرائيل عائلته في الأشهر الأولى للعدوان.
وفي خضم كل هذا، كان محمد يعمل من داخل سيارته في محيط مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، يتلقى أبناءه زيارات شهرية قصيرة له هناك، تكاد لا تتجاوز الساعة، لكنها كانت تكفيهم حياةً كاملة على حد قول نجله سمير.
استهداف سبق الاغتيال
لم يكن الاستهداف الذي أودى بحياة محمد وشاح مفاجأة من فراغ، بل كان نهاية مسار تحريض ممنهج بدأ منذ الأسابيع الأولى للحرب.
في بداياتها، كان ينشر تقارير ساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعكس الواقع الإنساني داخل القطاع، فتعرّض لاختراق متكرر لحساباته، ثم للاختراق الرقمي لهاتفه ولهاتف زوجته وأطفاله. وكانت هناك شخصية تنتحل اسم "مريم" تتواصل معه عبر واتساب، وتحاول استدراجه وترسل تهديدات صريحة له ولأسرته.
وفي 12 فبراير 2024، نشر المتحدث العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مقطع فيديو وصف فيه محمد بأنه "مخرب ليلاً ومصور لقناة الجزيرة نهاراً"، في تلفيق موثّق واضح لم يُفصح بتفاصيل ما ادّعاه، ووصفه لاحقاً بـ"الصحفي الإرهابي".
أكد الصحفي يحيى اليعقوبي أن الاحتلال استهدف وشاح بعد عامين ونصف من التحريض والملاحقة، مما يضع مقتله في سياق الاغتيال المدروس لا في خانة الخطأ أو الضرر العرضي.
آخر مهمة
في مساء الأربعاء 8 أبريل 2026، كان محمد متجهاً إلى ساحة الجندي المجهول للتنسيق لتغطية مخيم نزوح هناك.
أوضح المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن طائرة مسيّرة إسرائيلية أطلقت صاروخاً مباشراً تجاه السيارة الخاصة التي كان يستقلها وشاح أثناء مروره بشارع الرشيد قرب مفترق النابلسي.
اشتعلت السيارة بالكامل، وقتل على الفور، وأصيب مواطنان آخران كانا في المكان، ونقل جثمانه إلى مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع.
حامل رسالة
قبيل مقتله بلحظات ماضية تقيم في ذاكرة والده، كان محمد قد جلس معه وأعدّ لهما القهوة في شيء شبيه بالوداع الصامت، ثم صعد إلى شقة شقيقه محمود وتحدث بكلمات أوحت كأنه يستشعر شيئاً.
يقول والده إن محمد لم يكن مجرد ابن، بل كان قطعة من روحه، وسنداً حقيقياً لا يمكن تعويضه. كان بالنسبة له الحضور الذي يملأ البيت حياةً وطمأنينة، والمعيل الذي يحمل همّ الأسرة بمحبة ومسؤولية، دون أن يُشعر أحداً بثقل ما يتحمله. كان محبوباً من الجميع، قريباً من الناس، ولم يُعرف عنه طوال سنوات عمره إلا كل خير.
أما والدته فتتحدث عن محمد بصوت يختلط فيه الحنان بالألم، وتستذكر تفاصيله الصغيرة التي كانت تملأ بيتها دفئاً، خاصة يوم الجمعة، حين كان يأتي محمّلاً بغداء العائلة.
وتقول إن أكثر ما يوجع قلبها أنه كان حنوناً بشكل يفوق الوصف، لا يكتفي بالاهتمام بها وحدها، بل كان يحمل قلباً كبيراً لكل العائلة؛ يسند أخواته، ويحل مشاكلهم، ويغمرهم بالعطاء.
شقيقه محمود يقول إنه كان رفيق الدرب وعمود العائلة، لا يتأخر عن أي مسؤولية، بل كان يتحمل أعباء الأسرة كاملة بروح مليئة بالعطاء والصبر، وكأنه يحمل همّ الجميع في قلبه دون أن يُظهر تعباً أو شكوى.
أما زوجته فتتحدث عن محمد بعمقٍ شديد، قائلة إن ارتباطها به تجاوز حدود العلاقة التقليدية بين زوجين، ليصبح شراكة قائمة على الحب العميق والاحتواء المطلق، حيث كان يتعامل معها كمسؤولية قلبية وإنسانية قبل أي شيء آخر.
وتصف كيف كان يمنحها شعوراً دائماً بأنها ليست وحدها، وأنه هو السند الذي يعوضها عن أي غياب أو نقص، حتى أصبحت العلاقة بينهما مساحة أمان كاملة، تلجأ إليه فيها في لحظات الضعف أو التعب أو حتى الشكوى.
ويتحدث سمير عن والده بنبرة يملؤها الشوق والألم، قائلاً إنه كان يشعر معه بأمان عميق لا يمكن وصفه، وكأن وجوده وحده كان كفيلاً بإبعاد الخوف عن الحياة.
ويقول سمير إن والده كان داعماً له في الدراسة والحياة، يشجعه دائماً، ويمنحه الثقة ليكمل طريقه، وكان لا يتأخر في تلبية احتياجاته، ويحرص على راحته رغم انشغاله الدائم. ويضيف أنه يتمسك بوصايا والده وبذكراه، ويحاول أن يكمل مسيرته وهو يحمل صوته بداخله، رغم أن الشوق إليه لا ينتهي.
يصف مدير مكتب الجزيرة في غزة وائل الدحدوح الحادثة بأنها امتداد لسلسلة طويلة من الانتهاكات، وأن ما جرى يأتي في سياق سياسة تهدف إلى طمس الحقيقة ومنع نقل صور الجرائم إلى العالم.
رحل محمد وشاح وترك أيضاً سيرة صحفي آثر أن يكون شاهداً حتى اللحظة الأخيرة، وظل يوثق حياة الناس وقصصهم حتى يومه الأخير.